الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
153
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ 164 ] [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 164 ] قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ( 164 ) قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى . استئناف ثالث ، مفتتح بالأمر بالقول ، يتنزّل منزلة النّتيجة لما قبله ، لأنّه لمّا علم أنّ اللّه هداه إلى صراط مستقيم ، وأنقذه من الشّرك ، وأمره بأن يمحّض عبادته وطاعته لربّه تعالى ، شكرا على الهداية ، أتبع ذلك بأن ينكر أن يعبد غير اللّه تعالى لأنّ واهب النّعم هو مستحقّ الشّكر ، والعبادة جماع مراتب الشّكر ، وفي هذا رجوع إلى بيان ضلالهم إذ عبدوا غيره وإعادة الأمر بالقول تقدّم بيان وجهه . والاستفهام إنكار عليهم لأنّهم يرغبون أن يعترف بربوبية أصنامهم ، وقد حاولوا منه ذلك غير مرّة سواء كانوا حاولوا ذلك منه بقرب نزول هذه الآية أم لم يحاولوه ، فهم دائمون على الرّغبة في موافقتهم على دينهم ، حكى ابن عطيّة عن النقّاش أنّ الكفّار قالوا للنّبي صلى اللّه عليه وسلّم : « ارجع إلى ديننا واعبد آلهتنا ونحن نتكفّل لك بكلّ تباعة تتوقّعها في دنياك وآخرتك » وأنّ هذه الآية نزلت في ذلك . وقدّم المفعول على فعله لأنّه المقصود من الاستفهام الإنكاري ، لأنّ محلّ الإنكار هو أن يكون غير اللّه يبتغى له ربّا ، ولأنّ ذلك هو المقصود من الجواب إذا صحّ أنّ المشركين دعوا النّبي صلى اللّه عليه وسلّم لعبادة آلهتهم فيكون تقديمه على الفعل للاهتمام لموجب أو لموجبين ، كما تقدّم في قوله تعالى : قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا في هذه السّورة [ 14 ] . وجملة : وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ في موضع الحال ، وهو حال معلّل للإنكار ، أي أنّ اللّه خالق كلّ شيء وذلك باعترافهم ، لأنّهم لا يدّعون أنّ الأصنام خالقة لشيء ، كما قال تعالى : لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [ الحج : 73 ] فلمّا كان اللّه خالق كلّ شيء وربّه فلا حقّ لغيره في أن يعبده الخلائق ، وعبادة غيره ظلم عظيم ، وكفر بنعمة الربوبيّة ، وبقطع النّظر عن كون الخلق نعمة ، لأنّ الخلق إيجاد والوجود أفضل من العدم ، فإنّ مجرد الخلق موجب للعبادة لأجل العبوديّة . وإنّما قيل : وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ، ولم يقل : وهو ربّي ، لإثبات أنّه ربّه بطريق الاستدلال لكونه إثبات حكم عام يشمل المقصود الخاصّ ، ولإفادة أنّ أربابهم غير حقيقة